مقال ضيف : ابني الصغير ولع اللمبة .

بقلم المهندس : حسان الفلو

صورة الفلو

في حياة كل منا منعطفات كثيرة، يتأثر بها بشكل كبير، فتغيّر مسار حياته. قد يكون أحد هذه المنعطفات الغربة أو الشهادة أو العمل أو الزواج أو الأولاد أو غير ذلك. هذه المنعطفات تكون أحيانا -حسب تعبير الدكتور صالح الأنصاري حفظه الله- مثل “اللمبة” التي تضاء فجأة، فتوقظنا من غفلات كثيرة كنا إما ساهين عنها أو متكاسلين عن تجاوزها.

قصتي مع الصحة والمشي مثل لعبة السلم والثعبان في صعود وهبوط، إلى أن “ولّعت اللمبة” واشتد وهجها، وبإذن الله لا تنطفئ أبدا. لم أكن سمينًا أبدًا عندما غادرت لبنان في بداية الثمانينات بعد الثانوية العامة. بل كنت أمارس عدة رياضات، على رأسها الكرة الطائرة المشتهرة كثيراً في لبنان وكرة السلة، كما كنت ماهرًا في تنس الطاولة. وفي أمريكا بدأت عوارض السمنة تظهر لدي حيث أقمت هناك لدراسة البكالوريس. فالغربة والوحدة وضغوط الدراسة والحياة والأكل السريع Fast Food عوامل وأعذار جعلتها (في غفلة) تسهم في ازدياد وزني.

في أواخر الثمانينات انتقلت إلى كندا حيث أقمت وتزوجت، فكانت مشكلتي مع السمنة تزداد شيئًا فشيئًا. ووصلت إلى أعلى وزن لي وهو 155 كلغ. كنت لا أبالي كثيرا بما آكل، وأقبل أي عزومة (وأفتري فيها)، وأُكثر من الحلويات، وآكل قبل النوم، وأسرع في أكلي. وكنت أعاني من حموضة شديدة وأتناول الأقراص المضادة للحموضة باستمرار.

كانت أول محاولات إنقاص الوزن بطلب من زوجتي، وبمساعدة  طبيبة في تورنتو. وفعلاً أنقصت خلال تلك الحمية حوالي 15 كلغ لكنها كانت حمية قاسية مما اضطرني لأخذ بعض المكملات، ولم أكن أمارس الرياضة بانتظام. وفي أواخر التسعينات انتقلت للرياض حيث تدهورت صحتي بشكل أكبر. فنمط الحياة هناك يدفعك إلى الأكل الكثير المتأخر وإلى قلة الحركة والاعتماد على السيارة في التنقل، إضافةً إلى دعوات العشاء، وطلعات البر والنزهات والاستراحات، وكل هذه المناسبات لا تخلو من المعجنات والحلويات، ناهيك عن الكبسة والمندي والمثلوثة وغيرها من الأكلات الدسمة جدًا. جربت كل أنواع المطاعم في الرياض وخاصة البوفيهات المفتوحة التي كانت تملأ معدتي لحد التخمة. لم أبذل جهدًا حقيقيًا في الاهتمام بصحتي لا من ناحية التغذية ولا الرياضة واستمرت مرحلة اللامبالاة سنين عديدة. وفي تلك الفترة كان #صندوق_الأعذار مليئًا بالتبريرات (التي أجدها الآن وهمية) مثل عدم وجود الوقت، وضرورة المجاملات الاجتماعية، والطقس الحار والغبار، وغير ذلك.
في 2010 وعندما قاربت الخامسة والأربعين، رزقت بمولود. وكانت ولادته بمثابة جرس الإنذار الذي أفاقني من غفلتي. بدأت أفكر، يا ترى لو أحياني الله، هل سأستطيع أن ألعب مع طفلي هذا دور الأب الصديق عندما يصبح فتى يافعًا؟ وهل سأستطيع لعب دور الأب الذي يلاعب أولاده، ويسابقهم ويجري معهم ويشاركهم هواياتهم؟ وهل سأكون عادلًا معه وأفعل كما فعلت مع إخوته عندما كنت شاباً؟ دارت تلك التساؤلات في ذهني فقررت أن أفعل شيئاً. 

أول شيء فعلته هو أنني ذهبت مع زميل لي في العمل كان يعاني من السمنة أيضا لأخصائي في التغذية واستمعنا له. وتعاهدنا على ضبط التغذية والمشي يوميًا. لم يستمر هو وقتها واستمررت أنا في المشي ومحاولة الالتزام بالأكل الصحي بالرغم من أن فراقه وانقطاعه سببا لي اهتزازاً وشعوراً بالوحدة في مشواري نحو الصحة. غيرت الكثير من عاداتي بأركانها الثلاثة: التغذية والرياضة والنوم. وقد كانت البداية في مشوار الرشاقة مثل النحت في الصخر، لكن أثرها يدوم مثل النقش على الحجر.

في تلك الفترة كنت قد دخلت عالم تويتر. لا أذكر تماما متى بدأت معرفتي بالدكتور صالح الأنصاري، لكنها كانت عن طريق تويتر وعن طريق وسم #المشي_للصحة تحديدا. وقتها ذكرت له أني أمشي يوميًا، فشجعني أكثر، وأذكر أني أزعجته بأسئلتي الكثيرة عن الصحة والمشي. تعلمت منه ما أسميه “فن المشي”، كيف ومتى ولماذا وأين تمشي، وغير ذلك. هو – حفظه الله – أول من نصحني وشجعني على #المشي_فجرًا حيث كنت في البداية أمشي بعد الدوام عصراً إذ كان الوقت الأنسب لي. ابتلعت “الطعم” الذي ألقاه لي عندما عرفت منه مزايا المشي فجراً. ومن وقتها وأنا ألتزم بالمشي فجرًا والحمد لله. وتطورت العلاقة مع د. الأنصاري وترسخت الصداقة في المشاركة في مشاوير المشي والمشي الجبلي (الهايكنج) في ضواحي الرياض ومشي المسافات الطويلة وكان آخرها المشي 25 كلم في 4 ساعات في وادي حنيفة بالرياض.

لقد فتح لي تويتر آفاقا من التوعية والمعرفة والتحفيز وتبادل الخبرات. وتعلمت منه الكثير، فتابعت عددا من الأطباء والطبيبات وأخصائيي وأخصائيات التغذية حتى أستفيد أكثر وأتعلم أساليب جديدة وفعالة للحفاظ على صحتي. كما أوليت اهتماماً بالحسابات التي تهتم بالصحة النفسية وأذكر هنا تحديدًا الدكتورة منال مرغلاني @Manolmarg لتوجيهاتها ونصائحها في الجانب النفسي من مشكلة السمنة.

لم تكن بداية مشواري في سبيل #تعزيز_الصحة أو الرشاقة سهلة، لكنها لم تكن أيضًا مستحيلة. بدأت أثقف نفسي عن طرق وأساليب النمط المعيشي الصحي، وغيرت الكثير من عادات الأكل السيئة التي اعتدتها، واتبعت “عادات الأكل للرشيقين” وللدكتور الأنصاري مقال جميل عنها. وأصبحت أتناول إفطاراً صحيا كبيــرا غنيــا بالبروتين والأليــاف، وآخذ معي للعمــل يوميــا صندوق الطعــام (Lunch Box)  أضع فيه بعض الخضار أو الفواكه والمكسرات النيئة وغيرها حتى لا أجوع خلال الدوام، كما أصبحت آكل ببطء وأمضغ الطعام جيدًا. ومن أهم عادات الأكل التي تعلمتها هي أن أُطْبِق فمي بعد السابعة أو الثامنة مساء.  وبدأت أبحث عن بدائل صحية للوجبات وأجرب إعدادها بنفسي. فجربت خلطات عديدة من الزبادي والشوفان والحبوب الكاملة مع المكسرات النيئة والفواكه وغيرها، وأتناول منها يوميا. كما تعلمت أن “أستمع” لجسدي وأكتشفه بشكل أقرب، لأعرف ماذا ينفعه وماذا يضره وما هي درجات تأثير بعض الأطعمة عليه. وللدكتور الأنصاري أيضاً مقال جميل بعنوان “استمع إلى جسدك“.

كان أول تحدٍ لي مع ابني الأصغر نفسه عندما أخذت العائلة إلى مشوار المشي الجبلي “هايكنج” في منحدر “القِدّية” على بعد حوالي 40 كلم غرب الرياض، فحملت ابني الأصغر على أكتافي وصعدت به من أسفل الجبل إلى أعلاه وهو يبتسم ببراءة. كان شعورًا غامرًا بالسعادة لأني لم أكن أتوقع أن أستطيع فعل ذلك. فتذكرت جيداً كيف كان هذا الطفل الذي يجلس على أكتافي دافعاً لي لأُنقص حوالي 55 كج من وزني، وكيف بلغني الله تعالى أن أحمله بسهولة في صعود متواصل يستمر حوالي 20 دقيقة بعد أن كنت ذات يوم لا أكاد أحمل نفسي والحمد لله.

لم أفقد كل الوزن دفعة واحدة أو بسرعة، ولا يقلقني ذلك أبدًا. فقد نقص خصري من مقاس 46 إلى حوالي 38 على مدار حوالي ثلاث سنوات. وقد لا أصل للوزن المثالي، فبنية جسمي عريضة وخاصة الجزء العلوي. كما أن طبيعة الجسم في هذا السن تجعل خسارة الوزن عملية صعبة، لكني في المقابل تعلمت أن أتحرر من عقدة الرقم على الميزان، وأن أركز على النمط المعيشي الغذائي. تعلمت في نقاشاتي الكثيرة مع د.الأنصاري أن الرقم على الميزان لا يهم إن كنت أستطيع أن أمشي 20 كلم، أو أصعد 13 طابقًا على الدرج، وقد حدث ذلك ذات يوم في أحد فنادق المدينة المنورة عندما تعطل المصعد. لم يكن الرقم يهمني وأنا أحمل ابني على أكتافي وأصعد به الجبل به دون عناء يذكر، فلقد أصبحت هذه إحدى مقاييسي للصحة وغيرها الكثير من الأمثلة.

بعد هذه التجربة الصحية الغنية اهتممت أكثر ليس في إثراء معلوماتي الصحية فحسب بل في توثيقها ونشرها. ومن هذا المنطلق أنشأت قناة على تطبيق Telegram بعنوان #اكتشف_جسدك وتهدف إلى نشر التغريدات الهامة والشرائح الصحية التي أعددتها في مجالات الصحة والتغذية والرياضة كما صنفت هذه الشرائح الصحية ورفعتها على موقع Dropbox لتكون متاحة للجميع بسهولة. يقوم منهج #اكتشف_جسدك على احترام الجسد وفهمه والاستماع له والاهتمام به وتغذيته بما هو مفيد له وتجنيبه ما هو ضار له وفهم قواعد #الصحة_العامة مع تفهم أن كل شخص له وضعه الخاص من ناحية جسده وعمله وظرفه وبالتالي تجاربه الشخصية الصحية هي التي تثري نمطه المعيشي الصحي الخاص به.

 

الحدث الأكثر أهمية لاحقا بدأ في عمر الخمسين وكان فاتحة خير بحمد الله لنشاطات كثيرة. أسست مبادرة وفريق #مشاة_الرياض مع سبعة من محبي #المشي-للصحة وعلى رأسهم #عميد_المشي الدكتور صالح. بفضل الله عز وجل، كان لهذه المبادرة صدى جيد وواسع في أنحاء المملكة مما شجع على إنشاء أكثر من أربعين فريقًا في مدن وقرى المملكة يهتمون برياضة #المشي_للصحة ويقيمون نشاطات أسبوعية لنشر ثقافة الوعي الرياضي وخدمة المجتمع. خلال سنة واحدة، تطور فريق #مشاة_الرياض ليصل عدد المشاركين في #المشي_فجرا يوم الجمعة إلى أكثر من مئتي شخص، كما شارك #مشاة_الرياض في الكثير من الفعاليات الرياضية والاجتماعية.

الفضل لله أولًا وأخيرًا أن هداني للاستيقاظ من غفلتي تلك، ثم الشكر لزوجتي وشريكة حياتي التي كانت وما زالت نعم السند والعون. والشكر لكل طبيب أو طبيبة أو أخصائي أو أخصائية تغذية تعرفت عليهم في تويتر واستفدت من علمهم وخبراتهم، وتجدون أسماءهم في قائمة من أتابعهم على تويتر. والشكر كذلك لكل المتابعين الذين أثروا تجربتي واستفدت كثيرا من تجاربهم.

أدعو من كل قلبي كل من قرر أن يغير حياته، أن يغير نمط عيشه، وأن يحسن من صحته النفسية ومزاجه مع التركيز على المشي المنتظم، وأن يوقف المجاملات الاجتماعية التي كثيراً ما تأتي على حساب صحته، وألا يبالي باستهزاء بعض زملاء العمل إذا سمعوا صوت قرمشة الجزرة التي يأكلها، أو أن يخجل من أخذ وجبة صحية في صندوق معه إلى العمل حتى لا يضطر لتناول مأكولات البوفيهات، وأن يعمل بجد ونشاط من أجل غد أفضل له ولعائلته.

وأنت أيها القارئ أوجه لك نفس الدعوة! فمن حق طفلك الأصغر أن ينال من متعة شبابك كبقية إخوته.

ودمتم بود.

أخوكم حسان الفلو 

@HAFalou

** الصورة على قمة جبال السودة ، أعلى قمة في المملكة العربية السعودية .

 

Advertisements

2 thoughts on “مقال ضيف : ابني الصغير ولع اللمبة .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s